الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
94
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وانتصب رَحْمَةً على المفعول لأجله . ووصفت الرحمة بأنها من عند اللّه تنويها بشأنها بذكر العندية الدالة على القرب المراد به التفضيل . والمراد رحمة بأيوب إذ قال وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . والذكرى : التذكير بما هو مظنة أن ينسى أو يغفل عنه . وهو معطوف على رَحْمَةً فهو مفعول لأجله ، أي وتنبيها للعابدين بأن اللّه لا يترك عنايته بهم . وبما في الْعابِدِينَ من العموم صارت الجملة تذييلا . [ 85 ، 86 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 85 إلى 86 ] وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ ( 85 ) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 86 ) عطف على وَأَيُّوبَ [ الأنبياء : 83 ] أي وآتينا إسماعيل وإدريس وذا الكفل حكما وعلما . وجمع هؤلاء الثلاثة في سلك واحد لاشتراكهم في خصيصية الصبر كما أشار إليه قوله تعالى كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ . جرى ذلك لمناسبة ذكر المثل الأشهر في الصبر وهو أيوب . فأما صبر إسماعيل - عليه السلام - فقد تقرّر بصبره على الرضى بالذبح حين قال له إبراهيم : إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فقال : سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [ الصافات : 102 ] ، وتقرر بسكناه بواد غير ذي زرع امتثالا لأمر أبيه المتلقى من اللّه تعالى ، وتقدمت ترجمة إسماعيل في سورة البقرة . وأما إدريس فهو اسم ( أخنوخ ) على أرجح الأقوال . وقد ذكر أخنوخ في التوراة في سفر التكوين جدّا لنوح . وتقدمت ترجمته في سورة مريم ووصف هنالك بأنه صدّيق نبيء وقد وصفه اللّه تعالى هنا فليعدّ في صف الصابرين . والظاهر أن صبره كان على تتبع الحكمة والعلوم وما لقي في رحلاته من المتاعب . وقد عدت من صبره قصص ، منها أنه كان يترك الطعام والنوم مدة طويلة لتصفو نفسه للاهتداء إلى الحكمة والعلم . وأما ذو الكفل فهو نبيء اختلف في تعيينه ، فقيل هو إلياس المسمّى في كتب اليهود ( إيليا ) . وقيل : هو خليفة اليسع في نبوءة بني إسرائيل . والظاهر أنه ( عوبديا ) الذي له كتاب